محمد غازي عرابي

861

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

الحسي الفكر الحسي ، أو العقل البشري ، أو النفس ، وسبق أن أوردنا قول القائل إن النفس معبر بين الحس والعقل ، مرة تلطف الأشياء الحسية حتى تصيرها كأنها عقلية فينالها العقل ، ومرة تجسم الأشياء العقلية فينالها الحس . وإذا عدنا إلى الثالث الذي عزز اللّه به الاثنين اللذين أرسلا إلى المدينة ، واللذين قلنا عنهما إنهما يمثلان الفكر البشري التناقضي ، كانت النتيجة كالتالي يولد الإنسان مطبوعا بطابع الاسم ، ويمارس الاسم إلهامه منذ تفتح وعي الإنسان ، والملاحظ أن الأطفال ليسوا سواء ، وأن صفاتهم تتباين ، قال سبحانه على لسان العبد الصالح وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً ( 80 ) [ الكهف : 80 ] ، فالروح يطرح الصفة في أرض النفس ، فتبدأ النفس عملها بأن تستمع الإلهام عن طريق الإيجاب تارة ، وطورا عن طريق السلب ، فتكون النتيجة التناقض الذي تحدثنا عنه . والتناقض خارجي وداخلي ، أما الخارجي فهو صراع تعينات الصفات على مسرح الحياة ، وأما الصراع الداخلي فهو الذي يظهر الصفة التي تكون بالقوة ، وعلى هذا فالإنسان على صراط مستقيم ، وسبق أن أوردنا قول ابن عربي إن اعوجاج القوس عين استقامته للرمي ، فالقضية محصورة في أن تكون النفس ميدان الصراع والتضاد ، وأن تواجه العالم بصفة تريد أن تحتل مكانها تحت الشمس . والعملية تناقضية ديالكتيكية مفتوحة ، عبر عنها سبحانه في كتابه بقوله : حَتَّى نَعْلَمَ [ محمّد : 31 ] ، وسبق أن أوردنا في كتابنا « الإنسان الكامل » الصفة مثالية من جهة وهي تطورية من جهة أخرى ، فالمثال أو الصفة ينطلق ليتحقق في عالم العيان ، وهو بالتناقض يظهر ، كما أنه يولد مثاليات لا نهائية في كل تصادم أو توافق مع الصفات الأخرى ، ومن المسلم به أن العالم اليوم هو غير العالم في القرن الماضي ، وأن ما يستجد في العالم كل يوم بل كل ساعة هو شيء قد دخل في الحسبان ، أو ما لم يدخل فيه أيضا . ولكن اللّه بالمرصاد ، وما ينشده اللّه هو الظهور ، وما دامت الذات الأحدية الصرفة مستحيلة المعرفة لأنها نور خالص ، فلم يبق إلا الصفات لتعرف هذه الهوية المطلقة ، ولو أن اللّه لم يخلق الإنسان ، ولم يجعل قلبه مختبرا لغرس الصفات وتوليدها لما ظهرت هذه الصفات ، ولما تعرف الإنسان اللّه ، ولظل اللّه مجهولا لا يعرفه أحد ، ولظلت صفاته مرتقة هي والعدم سواء . ويتم غرس الصفة وتوليدها في القلب بفعل الروح والصفات الإلهية المحركة ، فالإنسان استعار من اللّه الحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام ، فإذا بذرت فيه بذور الصفات